مايو
08
العمل بالحساب الفلكي في ضبط الرؤية
الحساب الفلكي الذي يمكن أن يستخدم في دعم ترائي الهلال قسمان:
القسم الأول: استعمال الحساب الفلكي في معرفة وقت تحري الرؤية:
فتحري رؤية هلال الشهر القمري الجديد لا يصح أن تكون في أي وقت من الشهر، بل لابدَّ أن تكون في وقت مُعَيَّن، وهو الوقت الذي يُتوقَّع أن يُرى فيه الهلال.
ولمعرفة هذا الوقت لابدَّ من استعمل نوعين من الحساب: الحساب العددي، والحساب الفلكي.
1_ أمَّا الحساب العددي: فلأنَّ الشهر القمريَ لا يزيدُ عن ثلاثين يومًا، ولا ينقصُ عن تسعةٍ وعشرين يومًا، فيكون تحري رؤية الهلال ليلةَ الثلاثين، فإن رُئي الهلال: فيكون اليوم التالي هو بداية الشهر التالي، وإن لم يُرَ فيكون إكمال الشهر الحالي ثلاثون يومًا، واليوم الذي بعده بداية الشهر القمري الجديد.
ولمزيد الإيضاح: لو تحرَّى شخصٌ رؤية الهلال لجديد ليلةَ سبعٍ وعشرين، أو ليلة ثمانيةٍ وعشرين لم يُقبل ذلك منه مهما كان رأيه في طريقة إثبات الشهر القمري، وَلاعتبر عمله هذا ضربًا من عدم العلم؛ لأنَّه لا يمكن أن يكون الشهر القمري أقل من تسعةٍ وعشرين يومًا.
فيستفادُ من ذلك: أنَّ من شروط تحري رؤية الهلال الصحيحة: أنَّ يكون وقت التحري ممكنًا لرؤية الهلال، والإمكانية هذه تعرف بالحساب العددي.
2_ وأمَّا الحساب الفلكي: فلمعرفة وقت تحري الرؤية بالنسبة لليوم من الشهر، وللمكان الذي يُمكن أن يُرى فيه، أو المكان الذي تكون فيه فرصة الرؤية أفضل من غيرها لرؤية الهلال.
فيجب الأخذ به؛ لأن العلم به شرط لصحة تراءي الهلال.
كما أنَّ الحساب الفلكي هو الأصل للحساب العددي؛ إذ إنَّ الحكم بأنَّ طول الشهر القمري ينحصر في تسعٍ وعشرين أو ثلاثين يومًا من الناحية العددية إنَّما هو مأخوذٌ ومُستفادٌ من حقائق فلكية لا تتغيَّر ولا تتبدَّل.
والعمل بالحساب في معرفة أوقات تحري الرؤية وحث الناس على الترائي فيها أمرٌ مُسلَّمٌ به ومعمولٌ به منذ القِدَم بلا خلاف.
وممن أقرَّ العمل بهذا الحساب ابن تيمية، فمما قاله عن الهلال وإمكانية رؤيته تبعًا لارتفاعه فوق خط الأفق: “بل إذا كان بُعدُه مثلاً عشرين درجة: فهذا يُرى ما لم يَحُل حائل، وإذا كان على درجةٍ واحدةٍ فهذا لا يُرى، وأمَّا حول العشرة: فالأمرُ فيه يختلف باختلاف أسباب الرؤية” مجموع الفتاوى، (25/186).
ثم ذكر الأسباب التي تؤثِّر في إمكانية الرؤية، ثم قال: “وأمَّا صحةُ مُقابلته، ومعرفة مطلعه، ونحو ذلك، فهذا من الأمور التي يمكن المُترائي أن يتعلمها، أو يتحرَّاه، فقد يُقال: هو شرط الرؤية، كالتحديق نحو المغرب خلف الشمس″ مجموع الفتاوى، (25/185).
وفي العصر الحالي: تقوم المؤسسات والهيئات التي تُعنى بشؤون رؤية الهلال بإصدار التوصيات على تحري الرؤية بناءً على هذه الحسابات.
القسم الثاني: العمل بالحساب في التأكد من شهادة الشهود:
الشهادةُ على رؤية الهلال لا تخرج عن إحدى حالتين:
الحالة الأولى:
أن يحكم الحساب ويقطع باستحالتها، وذلك لعدم إمكانية الهلال المشهود به، إمَّا لأنَّه لم يقع الاقتران بعد، أو أنَّ الهلال سيكون تحت خط الأفق مثلاً.
فهنا لابدَّ من الأخذ بالحساب القطعي اليقيني، وردِّ الشهادة والحكم ببطلانها؛ لأَّنها خالفت الحق المقطوع به.
ومثلها في ذلك: كمن شهد بوقوع الكسوف في نصف الشهر، فمن المعلوم أنَّ الكسوف لا يقع إلا في آخر الشهر، قال ابن تيمية: “ومن قال من الفقهاء إنَّ الشمس تكسف في غير وقت الاستسرار فقد غلط وقال ما ليس له به علم … ومن جَوَّزَ هذا فقد قَفَا ما ليس له به علم، ومن حَاجَّ في ذلك فقد حَاجَّ فيما ليس له به علم” مجموع الفتاوى، (24/257).
وقال: “لا يكون كُسوف الشمس إلا في آخر الشهرِ ليلةَ السِّرار، ولا يكون خسوف القمر إلا في وسط الشهر وليالي الإبدار، ومن ادعى خلاف ذلك من المتفقهة أو العامة فلعدم علمه بالحساب” مجموع الفتاوى، (35/175).
وهي في ذلك مثل الشهادةِ بطلوعِ الشمسِ قبل طلوعِ الفجر، وتكون هذه الشهادة إما مكذوبة، أو مُتوَّهمة.
فمن شهد بأنَّه رأى الهلالَ وقد دلَّ الحسابُ على عدم حصول الاقتران فتكون شهادته غير صحيحة؛ لأنَّ معرفة حدوث الاقتران أمرٌ قطعيٌ لا خلاف فيه.
يقول ابن تيمية: ” ومن معرفة الحسابِ: الاستسرارُ والإبدارُ الذي هو الاجتماع والاستقبال، فالناس يُعبِّرون عن ذلك بالأمر الظاهر من الاستسرار الهلالي في آخر الشهر، وظهوره في أوله وكمال نوره في وسطه، والحُسَّابُ يُعبِّرون بالأمر الخفي من اجتماع القرصين الذي هو وقت الاستسرار، ومن استقبال الشمس والقمر الذي هو وقت الإبدار، فإنَّ هذا يُضبط بالحساب” مجموع الفتاوى، (25/185).
الحالة الثانية:
أن يحكم الحساب بإمكانية الرؤية حتى لو مع صعوبتها: فهنا لا تُردُّ فيها الشهادة، ولو قيل بصعوبتها؛ لأنَّ الصعوبةَ أو عدم الوضوح أمرٌ غيرُ مقطوعٍ به، وهو أمرٌ نسبي، وما دامت الرؤية مُمكنة: فلا يُحكم بردِّها أو رفضها ما دامت قد استجمعت شروطها الصحيحة.
ومثال ذلك: لو شهد شخص برؤية الهلال وكان الحساب قد دلَّ على صعوبة الرؤية لكون الهلال تحت درجة كذا، أو أنَّه قريبٌ من الشمس بأقل من كذا، فلا تُردُّ الرؤيةُ بشيءٍ غير قطعي.
وقد صرَّح عددٌ من الفقهاء بنفي إمكانية تحري رؤية هلال شهر رمضان، وما يترتَّب عليها من رد شهادة من يشهد برؤية الهلال وعدم اعتبارها إذا دلَّ الحساب على استحالة ذلك.
فممن قال بذلك:
السُّبكي من الشافعية، فقد قال في فتاويه: “أن يدل الحساب على عدم إمكان رؤيته ويُدرك ذلك بمقدمات قطعية ويكون في غاية القرب من الشمس ففي هذه الحالة لا يمكن فرض رؤيتنا له حسًا لأنه يستحيل، فلو أخبرنا به مخبر واحد أو أكثر ممن يحتمل خبره الكذب أو الغلط فالذي يتجه قبول هذا الخبر وحمله على الكذب أو الغلط ولو شهد به شاهدان لم تقبل شهادتهما؛ لأن الحساب قطعي والشهادة والخبر ظنيان والظن لا يعارض القطع فضلاً عن أن يقدم عليه، والبينة شرطها أن يكون ما شهدت به ممكنٌ حسًا وعقلا وشرعًا، فإذا فرض دلالة الحساب قطعًا على عدم الإمكانِ: استحالَ القبول شرعًا لاستحالة المشهود، به والشرع لا يأتي بالمستحيلات، ولم يأت لنا نص من الشرع أنَّ كلَّ شاهدين تقبل شهادتهما سواء كان المشهود به صحيحًا أو باطلاً، ولا يترتب وجوب الصوم وأحكام الشهر على مجرد الخبر أو الشهادة”.
وقال في العلم المنشور، في إثبات الشهور: “فينظر القاضي في حال الشهود … ومحل الهلال مما يُشوِّش الرؤية، ومعرفة منـزلة الهلال التي يطلع فيها، وما يقتضيه الحساب من إمكانية رؤيته وعدمها …والإخبار يحتمل الصدق والكذب، والكذب يحتمل التعمد والغلط، ولكل منهما أسبابٌ لا تنحصر، فليس من الرُّشد قبول الخبر المحتمل لذلك أو الشهادة به مع عدم الإمكان؛ لأنَّ الشرع لا يأتي بالمستحيلات، وهذه المسألة لم نجدها مسطورةً فتفقهنا فيها ورأينا عدم قبول الشهادة، وإنَّما سكت الفقهاء عنها لأنَّها نادرة الوقوع، ولما وقعت في هذا الزمان احتجنا إلى الكلام فيها … وقد رأينا من يوثق بعقله ودينه يغلطُ في رؤيته الهلال كثيرًا …
فإذا سلمت البيِّنةُ من هذه الأمور كلها وسَلِمَ موضع الهلال من الموانعِ وحاسة الشاهد من الآفاتِ: قبلناه إذا جوَّزنا الرؤية، فإن أحلناها بدليلٍ قام عندنا لم نقبل تلك الشهادة، وحملناها على الغلط أو الكذب… لأنَّ الحساب القطعي أو القريب من القطعي على عدم الإمكان أقوى من الريبة”.
وقد اشتدَّ في الإنكار على من يرفض الحساب في هذه المسألة فقال: “قد يحصل لبعض الأغمار والجهال توقف فيما قلناه، ويستنكر الرجوع إلى الحساب جملةً وتفصيلاً، ويجمد على أنَّ كل ما شهد به شاهدان يثبت، ومن كان كذلك لا خطاب معه، ونحن إنما نتكلم مع من له أدنى تبصر، والجاهل لا كلام معه!”.
وممن قال به من الفقهاء المعاصرين: الشيخ محمد جمال الدين القاسمي، الذي علَّق على كلام السُّبكي السابق قائلاً: “إنَّ ما يدل عليه الفنُّ من استحالةِ الرؤيةِ بإجماعِ أهله يُجِبُ ردَّ تلك الشهادة؛ لأنَّه بمنـزلةِ جرحِ أولئك الشهود، ومن المُقَرِ أنَّه يؤثِّر في جرحِ الشهودِ وسقوطِ عدالتهم أقوال الجارحين وإن كانت مظنونةً غير معلومة، فكيف وهي مقطوعٌ بها كالقطعِ بأنَّ الواحدَ نصف الإثنين؟ وأنَّ العلم نور والجهل ظلمات؟
وكلُّ من شدا طرفًا من هذا الفن _فن الهيئة والميقات_ صار هذا لديه من البديهيات، ودين الحنيفية يتبعه العقل أنَّى سار، وتؤيده علومه أنَّى اتجه”.
وغيرهم كثير من أهل العلم المعاصرين.
والأدلة على هذه المسألة ما يلي:
- أنَّ من شروط قبول الشهادة: أن تكون منفكة عما يكذبها حساً وعقلاً، والشهادة المُخالفة لما دلَّ عليه العلم اليقيني: هي شهادةٌ دلَّ العقل والحس المبني على العلم اليقيني أنَّها غير صحيحة.
فإذا شهد شخصٌ أو _مجموعة أشخاص_ برؤية الهلال وكان الحساب القطعي يدل على عدم إمكانية رؤيته، إما لعدم ولادته، أو كونه تحت خط الأفق، أو غير ذلك، فيجب رد شهادتهم وعدم التعويل عليها.
- أنَّ دلالة الحساب على وقت طلوع الهلال مثل دلالته على مكان طلوعه، وشكله عند طلوعه، فلو شهد شاهدٌ برؤيته في مكانٍ لا يطلع فيه فلا تُقبلُ شهادته.
كما لو أنَّه شهد بأنَّه رآه على شكل كذا وكان كلامه خطأ فيدلُّ على أنَّ شهادته غير صحيحة، فلا تُقبل.
- لا يقتضي الحكم بردِّ الشهادة الحكم بكذب الشاهد، فإنَّه من خلال النظر في أقوال العديد ممن يرفضون رد الشهادة إذا خالف الحساب دعواهم أنَّ الشهود ثقات، وليس هذا محل نـزاع؛ فإنَّ قبول الشهادة أو رفضها لا يتوقف على صدق أو كذب الشاهد، بل هناك مجموعةٌ من الشروط الواجب توافرها في الشاهد، وفي الشهادة، وكيفية تحمُّلها، وكيفية أدائها.
- القياس على بقية الشهادات الأخرى، كالشهادات في الحدود أو الحقوق أو غير ذلك، فلو شهد شهود _ولو كانوا عدولاً_ على أمرٍ، والواقع والحس يُناقضان الشهادة: لما جاز الأخذُ بالشهادة مهما كانت عدالة الشهود أو عددهم.
ويُلحظ أنَّ الذين صرَّحوا بهذا الرأي هم من القُضاة، أو ممن كان له علاقة ومعرفة بالقضاء، مما يؤيد وجوب الأخذ بهذا الرأي؛ لأنَّه صدر عن أهل الخبرة والرأي في هذه المسألة، فهم أعلم بها وبما يتعلَّق بها.
ومن الأمثلة المُعاصرة على الإخلال بهذا الشرط:
ما أعلنه مجلس القضاء الأعلى في السعودية عن رؤية هلال شهر ذي الحجة يوم الأحد 9/12/2007م، وبناءً عليه يكون يوم الإثنين 10/12/ هو أول أيام شهر ذي الحجة لعام 1428هـ.
لكن بالنظر في المعلومات الفلكية ليوم الأحد يتبيَّن الآتي:
|
وقت غروب الشمس |
وقت أذان العِشاء |
وقت اقتران الشمس بالقمر |
|
(5.34) مساءً |
(7.04) مساءً |
(8.40) مساءً |
فاقتران الشمس بالقمر يحدث يوم الأحد في تمام الساعة (8.40) مساءً بتوقيت السعودية، بينما يكون أذان العشاء في حدود الساعة (7.04) مساءً، أي أنَّ اقتران الشمس بالقمر يكون بعد غروب الشمس، وبعد دخول وقت العِشاء بأكثر من ساعةٍ تقريبًا.
مما يعني أنَّ القمر لم يكن قد اقترن بالشمس أصلاً عند غروب الشمس، فضلاً عن افتراقه عنها، ثم إمكانية رؤيته، بل إنَّ اقترانه بالشمس يكون بعد غروبها بأكثر من ثلاث ساعات!.
ونتيجة ذلك: أنَّ رؤية الهلال في السعودية في ذلك اليوم هي رؤيةٌ مستحيلة؛ لعدم وجود القمر وقت الترائي، وهذا ما حكم به الفلكيون في العالم الإسلامي، ونشروا به اعتراضًا على رؤية الهلال المزعومة هذه.
مع أنَّ رؤية الهلال في غيرها من بلدان العالم في ذلك اليوم ممكنة، كمناطق غرب العالم.
أبريل
20
هل يحتاج العالم العربيّ للأبحاث الأساسية؟
لا يمكن للعالم العربيّ تجاهل البحوث الأساسية لصالح الأبحاث التطبيقية، إذا أرادت الدول العربية إنتاج ثقافة العلم ومجتمع المعرفة في أوطانها
عندما فاز البريطاني ج. ج. تومسون بجائزة نوبل للفيزياء عام 1906 لاكتشافه الإلكترون، اقترح نخباً في حفل عشاء قائلاً : “للإلكترون، الذي لا فائدة فيه لأحد !” وكان هكذا يدافع بفخر عن “الحقيقة الواضحة” في ذلك الحين من أن الإلكترون هو اكتشاف بلا تطبيق، فهو من “الأبحاث الأساسية” فقط. وبعد قرن، لم يصبح الإلكترون ذا استخدامات واسعة النطاق في حياتنا (من الإلكترونيات إلى الطب) فحسب، بل امتلك “قيمة سوقية” تتجاوز ثلاثة تريليونات دولار أمريكي. وبنفس الروح فإن رئيسة الوزراء البريطانية (سابقاً) مارغريت تاتشر أشارت إلى أن مايكل فارادي (الفيزيائي البريطاني الذي قادت أبحاثه خلال القرن التاسع عشر جيمس ماكسويل لاكتشاف الأمواج الكهرمغناطيسية) يثمّن (بأبحاثه تلك) بأكثر من قيمة بورصة لندن حسب أسواق زمننا الحالي.
ولكن قبل أن نناقش الأهمية النسبية للبحوث الأساسية، ولا سيما في السياق العربي، فإننا بحاجة إلى الاتفاق على ما نعنيه بهذه العبارة. يشير الفرنسيون الى هذا النوع من الأبحاث بـ “Recherche fondamentale”، أي بأنها أبحاث تأسيسية، سواء كان ذلك في فهم قوانين ونسيج الطبيعة أو في مكوّناتها الأساسية (جسيمات ومجالات)، أو التفاعلات والظواهر التي نحتاج لفهمها ووصفها علميا. وقد وصف بعض العلماء البحوث الأساسية بأنها تلك التي يكون ناتجها غير معروف سلفا. فهذا فيرنر فون براون، عالم الصواريخ الألماني-الأمريكي، عرّف بلباقة البحوث الأساسية بأنها “ما أقوم به عندما لا أعرف ما أقوم به.”
في المقابل، فإن البحث التطبيقيّ، والأكثر من ذلك البحث التنمويّ، هو ذلك النوع الذي يتم تحديد هدفه سلفاً، مثلاً إنتاج خلايا شمسية ذات كفاءة أكبر، على سبيل المثال.
مع هذا التعريف، وملاحظة أنه في بعض الأحيان قد تتداخل هذه المجالات، فإن هناك تساؤلاً مشروعاً يطرح نفسه : ألا يجب على العالم العربيّ، ومع احتياجه للتطوير في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية – الاقتصادية، أن يركّز على الأبحاث التطبيقية؟ وكيف يمكن لأيّ كان أن يجادل مدافعاً عن طلب المزيد من الدعم للأبحاث الأساسية؟ وهل من المعقول بالنسبة للحكومات العربية الإنفاق على مجالات “عديمة النفع″ مثل الفلك، والفيزياء الجسيمية، وعلم الآثار وأشباهها ؟ هل تعتبر الأبحاث الأساسية ترفاً لا ينبغي لغير الدول الغنية والمتقدمة أن تخوض فيه؟
البحوث الأساسية
قبل أن أتطرق إلى حالة البحوث والوضع التمويليّ في العالم العربي، دعونا نراجع الحجج الرئيسية للبحوث الأساسية، حيث فوائد الأبحاث التطبيقية مقبولة على نطاق واسع. يقال عادة إن الهدف من البحث العلمي ينبغي أن يكون تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في البلدان الأقلّ تقدما. وينبغي أن تدعم الموارد والسياسات هذا الهدف. والحجة الشائعة للدفاع عن الأبحاث الأساسية هي أنها تؤدي في نهاية المطاف إلى تطبيقات ما، فقليلة تلك الاختراعات التي لم تسبقها اكتشافات في العلوم الأساسية.
في دراسة مشهورة في علوم الطب الحيوي، طلب من 100 من المتخصصين التصويت على أفضل 10 أوجه للتقدم في مجال طب القلب والأوعية الدموية بين عامي 1945 و1975. وبعد أن تمّ تحديد هذه الأوجه، استعرض الباحثون 4000 مقالة في الأبحاث العلمية المفتاحية التي قادت إلى مجالات التقدم التطبيقيّ هذه، فوجد أن 62 بالمئة منها أبحاث تعتبر “أساسية”.
ويمكن إعطاء أمثلة محددة كثيرة على الروابط المباشرة وغير المباشرة بين البحوث الأساسية والابتكارات العملية اللاحقة، مثلا: العلاج الإشعاعي، التصوير باستخدام إشعاعات البوزترون، التصوير بالرنين المغناطيسي، الهندسة الوراثية، وحتى “الرياضيات البحتة” والنسبية العامة لآينشتين. وشبكة الإنترنت كانت قد وضعت وطوّرت على يد الفيزيائي تيم بيرنرز لي في سيرن CERN (المجلس الأوروبي للأبحاث النووية في جنيف). بل إنه من بين حوالى 10000 مسارع للجسيمات في العالم اليوم، هناك فقط 100 ما تزال تستخدم للأبحاث النووية، والباقي يستخدم للعلوم التطبيقية، مثل إنتاج الأشعة والنظائر النووية لأغراض العلاج الطبي.
لكن هذه الحجة لها حدودها، وذلك لسببين.
أولا، بالنظر إلى الموارد البشرية والمالية التي يتمّ (أو تمّ) صرفها في مثل هذه البحوث الأساسية، مثل مسارعات الجسيمات الكبيرة أو تكنولوجيات الفضاء، فإنه من الطبيعي ومن المتوقع أن تسفر عن بعض الفوائد الجانبية والإضافية. وفي بحث سابق، كنت قد وجدت أكثر من 100 من المنتجات التي (بشكل غير مباشر) جاءت من برنامج استكشاف الفضاء، منها: المسح بالأشعة السينية والأشعة المقطعية، مقياس الحرارة بالأشعة تحت الحمراء، ليزر الأوعية الدموية، عناصر آلية متنوّعة، نظام الاستشعار الآليّ ، الواقع الافتراضي، والعديد من التطبيقات الأخرى.
ثانيا، أعتقد أن العلم، على عكس ما يتمّ تصوّره عادة، ليس مكرّساً بشكل أساسيّ لتحسين نمط الحياة، بل إنه في الحقيقة يهدف الى تقدم البشرية بشكل أوسع – فكريا قبل كل شيء. وقد أنعم الله علينا نحن البشر بالعقل والذكاء، والقدرة المتزايدة للسيطرة على بيئتنا، وإضافةً لهذا تأتي مسؤوليتنا تجاه “خلافتنا في الأرض” ومفهوم “الأمانة” التي نحملها.
يتيح العلم لنا، مع جوانب مهمة للإنسان (الدين، والفن، الخ)، فهم وتقدير العالم الذي خُلقنا فيه وكلّفنا به. وقد أثبت التاريخ البشري أن العلم، أكثر من أي مجال آخر، يؤدي إلى فهم متجدد، وأحياناً إلى تحوّل في فهمنا للطبيعة وموقعنا ودورنا في الكون. وهذا هو السبب الذي يجعل كل شخص ينبهر بكل اكتشاف فلكيّ جديد، ويبدي اهتماما آنيا فقط بأحدث الاختراعات. وعلاوة على ذلك، فقد أظهرت العقود القليلة الماضية أن الدول التي لا تمتلك برنامجاً علمياً قوياً في التعليم والاكتشاف قد تتمكّن من متابعة برنامجا في “البحث والتطوير” (R&D)، ولكن تقدمها العلميّ والفكريّ سيظل متواضعا.
أما نحن في العالم العربي، فنجد نقاط ضعف على جميع هذه الجبهات. التقدم الفكري بطيء في أحسن الأحوال، حسب ما يمكن قياسه، على سبيل المثال، من خلال عدد الكتب التي تنشر كل عام، أو حسب النسبة المئوية للعلماء بين السكان، أو حسب نسبة ما ينفق ًعلى البحث العلميّ من الناتج المحلي الإجمالي.
في نوفمبر 2010، نشرت منظمة اليونسكو تقريرها العلميّ للعالم، حيث تتوفّر ثروة من البيانات والتعليقات حول كثير من البلدان والمناطق، وقد وجد أن 20 دولة عربية أنتجت 6000 كتاب سنوياً مقارنة مع 100000 في أمريكا الشمالية. يبلغ عدد الباحثين في العالم العربيّ 371 باحثاً لكل مليون نسمة، مقارنة مع المتوسط العالمي البالغ 1081، ولدى الأردن وتونس فقط نسبةً أعلى من المعدّل العالميّ. كما أنّ الإنتاج العلميّ منخفض ويبلغ معدّله 41 ورقة بحثية سنوياً لكلّ مليون نسمة، مقارنةً مع المعدّل العالميّ البالغ 147. وأخيرا، فإن الإنفاق على البحث، سواء كان في مجال العلوم البحتة أو التطبيقية، لا يزال هزيلاً حقا.
الإنفاق الهزيل على العلم
لا توجد بيانات واضحة وموثوقة حول البحوث الأساسية في العالم العربي. في الحقيقة فإن الـ27 صفحة التي تضمنها تقرير اليونسكو حول الوضع العربيّ لم تشر الى الأبحاث الأساسيّة على الإطلاق. ومع ذلك، يمكن استخدام بعض المؤشرات النوعية الأخرى لتقديم صورة أعتقد أنها صحيحة وموضوعية حول وضع الأبحاث الأساسية في المنطقة. دعوني أركّز أولاً على الإنفاق على البحث في العالم العربي.
باستخدام البيانات التي قدمها البنك الدولي على مدى السنوات العشر الماضية، قمت بحساب متوسط الإنفاق على الأبحاث في السنوات الثلاث الأخيرة لمختلف البلدان العربية (الجدول أدناه). وبالمقارنة مع المتوسط العالمي البالغ 1.2٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2007، كانت القيم التالية للدول العربية:
• الجزائر: 0.14٪
• تونس: 0.63٪
• المغرب: 0.62٪
• مصر: 0.25٪
• الأردن: 0.34٪
• الكويت: 0.09٪
• المملكة العربية السعودية: 0.05٪
في المقابل، فإن إسرائيل أنفقت ما معدّله 4.60٪ من ناتجها المحلي الإجمالي على البحث والتطوير.
ويمكن معرفة الإنفاق على البحوث الأساسية من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (التي تجمع عددا من الدول المتقدمة)، من خلال وثيقة المؤشرات الأساسية للعلم والتقنية التي تصدرها بشكل منتظم، وعدد قليل من الدول (الصين، كوريا، الولايات المتحدة الأمريكية) في بعض التقارير الأخرى. ينقسم “البحث والتطوير” عادةً إلى البحوث الأساسية والبحوث التطبيقية، والتنمية. وهذه الأخيرة عادة ما تمثّل نصف الميزانيات المرصودة، بينما تحصل البحوث الأساسية على نسبة تتراوح بين 5 % من التمويل (كما في الصين) و 32% (كما في بولندا وهنغاريا)، في حين أن معظم الدول تخصّص ما نسبته 20-25% من تمويلها.
وعندما سئل رئيس الوزراء الصيني في أكتوبر 2008 عن التدني الغريب (5٪) في نسبة الإنفاق على البحوث الأساسية في ميزانية بلاده، اعترف بأنها منخفضة بشكل غير مقبول، وتعهد بزيادتها تدريجيا على مدى السنوات الخمس المقبلة. ولذلك لا نعجب لعدم وجود أي صيني على قوائم جوائز نوبل في العلوم، مقارنةً مع أكثر من 150 من الأميركيين، إذ نجد أن جميع المؤسسات الاتحادية في الولايات المتحدة المعنية بتمويل البحوث الأساسية والتطبيقية كانت قد زادت تمويلها بنسبة 19٪ بين عامي 2003 و2008.
التوازن المطلوب
أما بالنسبة للعالم العربيّ فلا تتوفّر مثل تلك البيانات. ومع ذلك، فإن كلّ المنشورات العربية في مجال البحوث والتمويل تكاد تكون محصورة بالكامل على “التطبيق”، “الابتكار”، و”التقانة”. فكما يشير الفصل الخاص بالدول العربية في تقرير لليونسكو المشار إليه آنفا: “تنطق الدول العربية بلسان حال واحد تقريبا عندما يتعلق الأمر بأولوياتها الاستراتيجية في العلوم والتقانة: المياه والطاقة”، ويضيف التقرير الإشارة الى بعض المجالات الأخرى، مثل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وتكنولوجيا النانو، والتكنولوجيا الحيوية، ولا تكاد تخرج هذه هي أيضا من دائرة “التطبيقي”.
وهناك مؤشرات أخرى تؤكد هذا التركيز على البحوث التطبيقية و على “التنمية المستدامة” في العالم العربي. فقد تم تشكيل منظمات جديدة مؤخرا لغرض تمويل الجهود التنموية، فأبدت المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا ومؤسسة الإمارات مثلا تركيزاً قوياّ على الأبحاث التطبيقية. والشيء نفسه ينطبق على جوائز مثل جائزة البنك الإسلامي للتنمية المخصصة للعلوم والتكنولوجيا. إن النظر في معايير التمويل والأنشطة الأخيرة لهذه المؤسسات لا يخفي اهتمامهم الضئيل بالبحوث الأساسية.
وأود التأكيد هنا أنني لا أدعو لإعطاء البحوث الأساسية الأولوية في التمويل أو الدعم في العالم العربي. إن الأبحاث التطبيقية مهمة جدا بالتأكيد، لكن شيئا من التوازن مطلوب من أجل رسم مسار تنموي شامل للمجتمع.
إن تشجيع العلوم الأساسية أمر لا بد منه إذا أردنا أن ننتج مجتمعات ذات تعليم جيد ومستنيرة، وتطوّر اقتصادي اجتماعي نابع منها. إن التحكم الكامل في البحوث الأساسية وتوجيهها شيء صعب جدا، فغالبا ما تكون النتائج غير متوقعة، بل وحتى النتائج التي تبدو في البداية خالية من الفائدة يمكن أن تؤدي في وقت لاحق إلى تطبيقات مهمة. وعلاوة على ذلك، وحتى يكون البحث مثمراً بحقّ، يجب أن تتوفر لدى العلماء حرية في استكشاف كلّ أنواع المسارات والأفكار.
كان من المقرّر مناقشة استراتيجية العلوم والتكنولوجيا من قبل الجامعة العربية في القمة التي كانت مبرمجة في مارس/ آذار عام 2011؛ لكن الاجتماع لم يعقد، في خضمّ الربيع العربيّ، وعلى حدّ علمي فإن استراتيجية العربية للعلوم والتكنولوجيا هي قيد الانتظار.
وفي حين أن المشاريع المشتركة مع الأوروبيين والشركاء الآخرين هي بنّاءة، فإنه من المهم أن يكون هناك توازن بين المجالات ذات الأولوية (مثل المياه والطاقة والزراعة والتقنيات الجديدة) من جهة، والأهداف التعليمية والفكرية والاجتماعية للعلوم الأساسية من جهة أخرى.
ذات مرة، سُئل بوب ويلسون، وهو أول مدير لمركز مسارع فيرمي Fermilab، من قبل لجنة في الكونغرس : “ما الذي سيقدّمه مختبرك للدفاع عن الولايات المتحدة؟ ” فأجاب : “لا شيء، ولكنه سيجعلها تستحق الدفاع عنها”.
وكعرب، فإن المساهمة في الحضارة الإنسانية في العلوم كلها (وربما الأساسية خاصة) تجعل حياتنا ذات معنى وتشجعنا في تحقيق مسؤوليتنا الأخلاقية في عمارة الأرض.
ترجمة بسمة ذياب
أبريل
17
مشروعية العمل بالحساب في العبادات
عند الحديث عن (الحساب) واستعماله في إثبات الشهور القمرية يسارع البعض إلى نفيه جملةً وتفصيلاً، بل والجزم بخطئه ومخالفته للشرع، وتبديع الأخذ به، مع تحميلٍ للنصوص الشرعية ما لا تحتمل، وإخراجها عن سياقها الذي وردت فيه، مع أنَّ الحساب أنواعٌ متعدَّدة، ولا غنى للمسلم عنه في شتى العبادات، وغالبية من يسارعون لنفي الحساب في إثبات الشهور القمرية يأخذون به بشكلٍ أو آخر في مختلف العبادات.
وبداية: هذه إشارات إلى الأخذ بالحساب في مختلف العبادات:
- 1. معرفة أوقات الصلاة اليومية:
حدَّد الشارع مواعيد أداء الصلاة اليومية بناءً على حركة الشمس وتنقلها بين طلوع الفجر ثم الشروق ثم الزوال ثم الغروب، فأمكن لعلماء الفلك تحديد هذه الأوقات بدقة عالية ولسنوات طويلة؛ بناءً على الملاحظة والمتابعة المستمرة، بحيث أصبح يمكن معرفة دخول أوقات الصلاة من غير حاجة لمتابعة حركة الشمس وقياسها عند وقت كل صلاة، وإدراجها في تقاويم ورقية أو إلكترونية.
وقد تلقى الفقهاء هذه القياسات بالقبول، وأوجبوا العمل بأداء العبادات من صلاةٍ وصومٍ وإفطارٍ عليها دون نكير، وهي عبارةٌ عن حسابات فلكيةٍ بحتة.
- 2. معرفة مواعيد النهي عن الصلاة وإباحتها:
وفي مقابل تحديد أوقات لأداء الصلاة: كذلك حَّد الشارع أوقاتًا مَنَعَ من أداء الصلاة فيها، فَعَنْ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ السُّلَمِىُّرضي اللهُ عَنْه أنَّ سأل الرسول رضي الله عنه: خْبِّرْنِى عَنِ الصَّلاَةِ؟ قَالَ: صَلِّ صَلاَةَ الصُّبْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلاَةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، حَتَّى تَرْتَفِعَ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَىْ شَيْطَانٍ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ ثُمَّ صَلِّ فَإِنَّ الصَّلاَةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلاَةِ فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَىْءُ فَصَلِّ فَإِنَّ الصَّلاَةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّىَ الْعَصْرَ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلاَةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَىْ شَيْطَانٍ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ) رواه مسلم.
ويترتَّب على هذا النهي معرفة أوقات أداء صلاة النافلة، وكلٍ من صلاة العيدين، وصلاة الاستسقاء، وصلاة الجمعة.
- 3. معرفة أوقات الصلاة في البلاد العالية:
علَّق الشارع معرفة أوقات الصلاة على مراقبة ورؤية حركة الشمس، لكن يحدث في بعض البلدان أن تضطرب حركة شروق الشمس وغروبها، فكانت فتاوى أهل العلم بضبط أوقات الصلاة بالقياسِ على البلدان المعتدلة حسب خطوط الطول والعرض، وهذا من الحساب المعتمد على حسابات فلكية دقيقة تتسم بالديمومة والانتظام.
- 4. معرفة بدء موعد الصوم اليومي في البلاد العالية:
يبدأ موعد الصيام اليومي بطلوع الفجر، وينتهي بغروب الشمس، أما إذا كانت حركة الشمس تضطرب في بعض البلدان بحيث تختفي _أو تتداخل_ فلا يمكن تحديد أوقات بدء الصيام وانتهاؤه اعتمادًا على متابعة ورؤية حركة الشمس.
فيكون تحديد ذلك بالطريقة نفسها التي يتم فيها تحديد أوقات الصلاة السابق ذكرها.
- 5. معرفة الجهات لاستقبال الكعبة:
فمن شروط صحة الصلاة: التَّوجُّه للقبلة، وقد كانت معرفة القبلة في القديم تتم عبر طرق ووسائل قد لا تكون دقيقة بالشكل المطلوب، كمعرفة الاتجاه بشكلٍ عام، أو لعدم قدرة بعض الناس على معرفة الاتجاه الدقيق للقبلة، فقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: (مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ) رواه الترمذي وابن ماجه، فمن لم يتمكَّن من ضبط القبلة بشكلٍ صحيح، فلا يضره الانحراف عنها، بل يكفيه التوجه لما يترجَّح لديه أنَّه اتجاه القبلة.
ثم تطوَّر العلم بعد ذلك واكتشفت وسائل تحديد الاتجاهات من بوصلة، وخرائط ووسائل أخرى غاية في الدقة والإتقان، فلا يكفي في هذه الحالة الاعتماد على تحديد القبلة بناءً على الاتجاه العام، وإنَّما يجب العمل بما توصَّل إليه هذا العلم من تحديدٍ دقيقٍ لاتجاه الكعبة، وفتوى الفقهاء على وجوب الأخذ بهذه الأدوات الحديثة في تحديدها، ومن ثم بطلان صلاة من لم يتوجَّه للقبلة الصحيحة.
وليس في الأخذ بهذه الحسابات الدقيقة تعطيلٌ لحديث (مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ)، بل العمل به باقٍ في حالة عدم وجود الوسائل المعينة للتوصل للقبلة، أو عدم القدرة على التوصل للقبلة الصحيحة، أما الأخذ بالوسائل الحسابية الدقيقة فهو عمل ببقية النصوص التي تُوجب التوجه للقبلة كقوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) [البقرة: 144].
- 6. معرفة مواقيت الحج المكانية في المناطق التي ليس فيها مواقيت:
وقَّت الرسول صلى الله عليه وسلم لمن أرادَ أن يحرم للحج أو العمرة مواقيت مكانية لا يجوز له أن يتجاوزها إلا بإحرام، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ – رضي الله عنهما قَالَ: (وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لأَهْلِ الْمَدِينَةِ: ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّامِ: الْجُحْفَةَ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ: قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلأَهْلِ الْيَمَنِ: يَلَمْلَمَ. قَالَ: فَهُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَا فَكَذَلِكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا) متفق عليه.
لكن إن لم يكن في طريقه ميقات؟
عُرضت هذه المشكلة على الخليفة الراشد عمر بن الخطاب _رضي الله عنه، فحكم فيها بالقياس، فَعَنْ عبد الله بن عمر بن الخطاب _رضي الله عنهما_ قال: لما فُتِحَ هَذَانِ المِصْرَانِ [أي البصرة والكوفة]، أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين: إِنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم حدَّ لأهلِ نَجدٍ قَرْنًا، وُهوَ جَوْرٌ عَن طَريقِنا [أي بعيدةٌ عنه]، وإنَّا إن أرَدْنا أنْ نَأتيَ قَرْنا شَقَّ علينا؟ قال: فْانظُروا حَذْوَها من طريقكم، فَحَدَّ لهم ذاتَ عِرْقٍ) رواه البخاري.
ولم يكن عمر رضي الله عنه يعلم عن تحديد الرسول صلى الله عليه وسلم لميقات ذات عرق، فاجتهدَ فوافق النص، وقَبِل الصحابةُ _رضي الله عنهم_ اجتهاده، ثم كانت الفتوى على أنَّ من مرَّ من طريقٍ ليس فيها ميقات: فيُحرم إذا حاذى أقرب المواقيت منه.
والعمل بالمحاذاة هو عين الحساب؛ لارتباطه بالقياس، وبمعرفة خطوط الطول والعرض.
فيظهر من جميع ما سبق:
أنَّ الفقهاء قد أخذوا بالحساب _ومنه الحساب الفلكي_ في مختلف العبادات دون نكير، مما يدل على أنَّ الحساب _بشكلٍ عام_ ليس مبتدعًا في الدين أو طارئ عليه، بل هو أصلٌ في كيفية أداء العبادات وشروطها.
أبريل
15
كوبرنيكوس يدين بالفضل لابن الشاطر في أفكاره ونماذجه
هذه المقالة للتجربة
نقلا عن صحيفة الوسط البحرينية
المنامة-جعفر الديري
أكد المحاضر بقسم الفيزياء في جامعة البحرين وعضو الجمعية الفلكية البحرينية الدكتور وليد عزام أن ابن الشاطر وان كان يعتبر ابنا لمدرسة المراغة فإنه يمثل قمة نضوج الفلك الإسلامي. وقال: “ان الفلكي البولندي كوبرنيكوس يدين بالفضل للكثير من الأفكار والنماذج المصورة التي وضعها ابن الشاطر وقام بالاستفادة منها”. وأضاف عزام خلال المحاضرة التي ألقاها في بيت القرآن مساء الأحد 30 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي والتي كانت بعنوان: “ثورة كوبرنيكوس أم ثورة ابن الشاطر”: “لقد استطاع ابن الشاطر أن يكون فلكيا متميزا وبارعا لأنه جمع بين مسألتين وهما دقة الرصد والموهبة في الرياضيات. وذلك ما يدحض القول من بعض المستشرقين بأن القرن الثاني عشر الميلادي هو بداية الانحطاط العلمي عند المسلمين فقد كان قمة النضوج الفلكي إلى القرن السادس عشر كما يشير إلى ذلك البروفيسور جورج صليبا”.
بطليميوس وعصره
ومهد عزام لمحاضرته بالحديث عن بطليميوس وعصره فقال: “لقد كان بطليميوس من علماء الفلك الاغريق وعاش في الاسكندرية في حدود العام 100 – 170 م. وكانت الاسكندرية في ذلك الوقت تحت الحكم الروماني فقد كان رومانيا ذا أصل اغريقي”. وكانت أفكاره مستمدة من التراث الاغريقي. وهو التراث الذي كان يعتمد على نقطتين رئيستين منذ أيام أرسطو وهما الصفاء الأرسطي الذي يرى أن الأرض هي مركز الكون، إذ كانت تلك الفكرة من أعمدة الفكر الاغريقي في الفلك. والنقطة الثانية هي الاعتقاد بأن جميع المدارات والأشياء عبارة عن دوائر لأن الدائرة في تلك الفلسفة هي رمز الكمال، فلا يوجد باعتقادهم كوكب يدور في مدار بيضاوي. ومن أهم مؤلفات بطليميوس “المجسطي” الذي ترجم إلى العربية ومن ثم إلى اللاتينية فيما بعد في أوروبا وهو كتاب مهم وكان بطليميوس مركزا فيه على وضع نماذج للكون فمفهوم الكون في وقته كان صغيرا.
تناقض واضح
وأضاف “ان الحديث السابق عن بطليميوس كان حديثا مهما لأن التناقض الموجود في كتابه كان جزءا من النقد الذي قام به علماء الفلك المسلمون فقد وجد علماء الفلك المسلمون في المجسطي مثلا أن بطليميوس كتب يقول ان المدارات والكواكب تدور حول نقطة ليست هي الأرض، فأين هي هذه النقطة؟ فبدا كأنها تدور حول نقطة فارغة. فقد يصح ذلك في الرياضيات لأنه يتوافق مع الأرصاد ولكن لا يصح ذلك في علم الفلك. ان هذا النقد لتراث الفلك الاغريقي بدأ قبل ابن الشاطر، إذ كان الكل يبني على من سبقه لذلك نجد أن النقد بدأ مبكرا ومصاحبا للترجمة فثابت ابن قرة كان من المترجمين الأوائل للفلك الاغريقي ولكنه كان ناقدا أيضا فحاول أن يبين عيوب وتناقضات علم الفلك الاغريقي. كما تصدى لهذا الموضوع أيضا القبيصي الذي عاش في القرن العاشر الميلادي والذي ألف كتابا أسماه: “الشكوك في المجسطي”. وكذلك الأمر مع ابن الهيثم في القرن الحادي عشر الميلادي. وهو العالم المشهور في البصريات والرياضيات والذي كان له اهتمام بعلم الفلك أيضا وألف كتابا يعتبر عمدة الكتب في هذا الموضوع وهو “الشكوك على بطليميوس″، إذ كان نقد ابن الهيثم فلسفيا في جزء منه، إذ لم يكن مطمئنا للأسلوبين الذين اعتمد عليهما بطليميوس.
ابن الشاطر
ثم عرض لابن الشاطر وإسهامه في هذا الباب فقال: “ابن الشاطر هو الحسن علاء الدين علي بن إبراهيم بن محمد الأنصاري الموقت. وقد عاش يتيما، إذ توفي أبوه وهو صغير فكفله جده ومن بعد جده كفله بعض الأقارب. وفي صغره عمل في صناعة العاج وأسموه “المطعم”. وحين كون مبلغا من المال اتجه إلى القاهرة والاسكندرية لدراسة الفلك والرياضيات. وقضى معظم حياته ككبير للمؤذنين في المسجد الأموي. ومن انجازاته أن طور وصحح الكثير من الأجهزة كالاسطرلاب فكتبه عن الاسطرلاب كانت مرجعا في مصر والشام لعدة قرون وأثناء الخلافة العثمانية أيضا. ومن مؤلفاته “الزيج” وهو كتاب في الفلك يحتوي على جداول. تعليق الأرصاد وهو من أهم كتبه، رسالة في الاسطرلاب، النفع العام في العمل بالربع التام، نهاية السؤول في تصحيح الأصول، كتاب النهاية.
نماذج فلكية
وأضاف “ابتكر ابن الشاطر آلة البسيط لتحديد مواقيت الصلاة. ووضع نماذج ونظريات فلكية بارعة وهنا نقع على ما يجمعه مع كوبرنيكوس. فكوبرنيكوس البولندي الذي ولد في مدينة توروم ودرس في جامعة كراكاو في بولندا ومن ثم ذهب إلى ايطاليا ليكمل دراسته العليا. والذي حصل على الدكتوراه من جامعة بولونيا في اللاهوت وقد درس الطب في جامعة بادوا في بولونيا. لم يكن العلماء متحيرين بشأن ما اقتبسه من ابن الشاطر وانما كانوا يتساءلون متى وكيف وأين استطاع كوبرنيكوس الحصول على مخطوطات ابن الشاطيء. ويرجح المختصون بعلم الفلك الاسلامي أن كوبرنيكوس اطلع على مخطوطات ابن الشاطر عندما وصلت إلى مكتبة الفاتيكان بعد سقوط بيزنطة في أيدي العثمانيين، إذ نقلت الكتب مترجمة إلى البيزنطية وكان هو يتحدث ويقرأ اليونانية. وبهذا الصدد يقول برفسور جل: “ليس من المحتمل بشكل مستقل أن كوبرنيكوس طور أفكار الطوسي وابن الشاطر معا ذلك أن ابن الشاطر كان استمرارا لمدرسة المراغة. لكن الأرجح أن كوبرنيكوس أخذ عن ابن الشاطر من دون أن يعزو ذلك إليه”.
مركزية الشمس
وعن مسألة مركزية الشمس والتي يتجلى فيها اقتباس كوبرنيكوس عن ابن الشاطر أوضح عزام “ان مسألة مركزية الشمس كانت قد حيرتني كثيرا فقد قرأت من قبل في بعض المصادر أن ابن الشاطر وضع أيضا نماذج كانت الشمس فيها هي مركز الكون وليس القمر”. ولكن على افتراض غير ذلك نجد أن فكرة كوبرنيكوس عن الشمس وأنها هي مركز الكون ليست جديدة، إذ لم يكن أول من فكر فيها فعند الاغريق مثلا كان هناك ارستاركوس ومدرسة البايثغرس وقد اعتقدوا لأسباب فلسفية بأن الشمس هي مركز الكون، وكذلك أيضا علماء وفلاسفة المسلمين اعتقدوا بذلك وذكروا أن الشمس هي المركز ولكن السؤال من هو الذي وضع نموذجا ورسم الشمس كما نراها في الوسط؟ يبدو أن كوبرنيكوس قام بذلك. نقول ذلك بداعي الانصاف ولكننا نقول أيضا ان “النماذج الأخرى التي وضعها كانت مقتبسة من الطوسي وابن الشاطر”.
مارس
31
ساعة الأرض Earth Hour … أطفئوا الأنوار من فضلكم !
في واحدة من أكبر الحملات العالمية على الإطلاق، تقوم مبادرة ” ساعة الأرض أو “Earth Hour بصفتها حملة بيئية ذات أبعاد فلكية أيضاً، وهي للسنة السادسة على التوالي آخذة في الاتساع مع انضمام آلاف المدن والمناطق والأقاليم ( ومن ضمنها دول عربية عديدة ) في القارات الخمس. أما البداية فكانت في أستراليا في العام 2007، حيث كانت الدعوة لإطفاء أنوار الكهرباء وما لا نحتاجه من أجهزة إلكترونية لمدة ساعة واحدة ( من الثامنة والنصف وحتى التاسعة والنصف مساء )، واختير الموعد ليكون في السبت الأخير من آذار/ مارس.
وتأتي هذه الدعوة الرمزية للفت انتباه المجتمع نحو الطريقة التي يمكن للجميع اتباعها للتخفيف من آثار ظاهرة الاحتباس الحراري الناجم عن الاستهلاك المفرط للوقود الأحفوري بصفته مصدراً لتوليد الطاقة الكهربائية. وقد لاقت المبادرة صدى كبيراً بدعم من جمعيات وهيئات بيئية وفلكية في معظم دول العالم، فالثقافة البيئية لم تعد ترفاً أو شأناً مقصوراً على المتخصصين، وإن لم تصل درجة الوعي بهذا الشأن للمستوى الذي تتطلبه حياتنا المعاصرة بما تمليه من تحدّيات، خاصةً مع اقتراب التعداد البشريّ على سطح كوكبنا لحاجز السبعة بلايين نسمة! تلك إذن مسألة عالمية يجدر بالمجتمعات حكومات وأفراداً ومنظمات مدنية أن تنخرط فيها.
وتنطوي مبادرة ” ساعة الأرض ” على أبعاد اقتصادية من حيث ترشيد استهلاك الطاقة الأحفورية في توليد الكهرباء، حيث يمكن وقف الهدر والذي يظهر أثره جلياً في فاتورة الكهرباء دون أن تتأثّر مكتسبات حياتنا المدنية. فالأضواء العشوائية والمفرطة لا تجلب فائدةً أو ترفيها لايمكن الاستغناء عنه بسهولة. ومن هنا جاءت جهود مؤسسات بيئية وفلكية أيضاً مثل ” منظمة السماء المعتمة الدولية International Dark Sky Association للتوعية بشأن الممارسة الصحية في التعامل مع الأنوار الكهربائية سواء من حيث ضبط الممارسات كماً، واستخدام المصابيح صديقة البيئة، تلك التي تكون فاعليتها مرتفعة وذات تصميم يضمن توجيه الضوء نحو المساحة والاتجاه اللازمين فلا يتبعثر في كلّ الاتجاهات وخاصة نحو السماء.
وهنا يأتي البعد الفلكيّ للحملة العالمية والتي أسعدت الفلكيين محترفين وهواة، بل وكلّ من يتوق لسماء الليل الحقيقية الخالية من التلوّث الضوئيّ، وهو شكلٌ من أشكال التلوّث لا يقلّ ضررا عن تلوّث مكوّنات البيئة الأخرى، إذ بات من شبه المستحيل أن نرى نحن بني البشر سماء الليل كما كان يراها أجدادنا بعد أن “خفتت“ نجومها بسبب التلوّث الضوئي فلم يعد بمقدورنا رؤية النجوم إن كان قدرها يزيد عن 2 أو 3 داخل المدن، مع أن قدرة العين البشرية تصل لرؤية القدر السادس منها لو كانت السماء ليلاً معتمة، فبات التساؤل المتعلق بإمكانية أن تصبح رؤية النجوم شيئاً من الماضي هو تساؤل يفرض نفسه!! وإذا كنّا نجتهد في البحث عن مساحات في الطبيعة للهواء النقيّ والاستجمام، فإننا بتنا أيضاً في تحدّ لنعثر على بقعة من السماء تنعم بالإعتام لتعطينا فرصة لرؤية الكواكب والنجوم والسدم بل ودرب التبّانة أيضاً. وعليه فإنّ مسألة إيجاد محميات فلكية/ ضوئية تفرض نفسها لنتمكّن من استخدام التلسكوبات البصرية في استكشاف الكون، وفي أنشطة رصدية لا يُستغنى عنها. فأين يمكننا إيجاد المواقع المناسبة إذا استثنينا أعالي البحار!
إن نظرة إلى ” العالم في الليل ” كما تصوّر الأقمار الصناعية تصيبنا بالذهول لغابات الأضواء هذه، وهي التي قد تبدو جميلة من الطائرة
مثلاً ولكنها ذات آثار سيئة على النمط الحيويّ للكائنات الحية، فالتلوّث الضوئي يربك بعض أنماط التكاثر للحيوانات البحرية، ويؤثر في سلوك الطيور أثناء هجرتها إذ يختلط الأمر عليها فلا تميّز بين الأضواء الطبيعية القادمة من القمر مثلا ليلا وتلك التي تسببها أبراج الإنارات الشاهقة بل وتقع ضحية اصطدامها ببعضها. كما أن الإفراط في إنارة الشواطئ يجتذب أعداداً كبيرة من الأسماك فتقع فريسة الصيد الجائر. ولنضف لذلك اضطراب بعض أنواع السلاحف التي تخلط بين ضوء القمر الطبيعي بصفته مصدر الضوء الليليّ وتلك الأنوار الاصطناعية الباهرة!
ودعونا لا ننسى أن الأمر يؤثر في دورة حياة النبات أيضاً، ففترة الإزهار مرتبطة بالدورة الطبيعة للنور والظلام وهي تلك الدورة التي باتت مخترقة بسبب تأثير الأضواء الصناعية. ولنضف لكلّ هذا التأثير الصحيّ على الإنسان الذي تتأثّر ساعته البيولوجية ويضطرب نومه، ويتأثر نمط إنتاج الميلاتونين لديه، ويؤثر سلباً في استقراره العصبيّ.
إذن، فالتلوّث الضوئيّ ذو أبعاد متعدّدة لا يمكن تجاهلها، الأمر الذي يجعلنا ندرك أهمية نشر الثقافة الخاصة به، ولعل في اختيار معالم شهيرة سياحية وثقافية وسيلة مناسبة للفت الانتباه، حيث تقوم الحملة العالمية لساعة الأرض على مستويين : الأول يتضمّن إطفاء الأنوار عن مؤسسات ومعالم شهيرة مثل “دار الأوبرا“ في سيدني/ أستراليا، و“برج خليفة“ في الإمارات، والأهرامات في القاهرة، و“برج إيفل“ في باريس وغيرها من المعالم السياحية المهمة في العالم، أما المستوى الثاني فتجري الدعوة له شعبياً من خلال حملات إعلامية تدعو إليها منظمات بيئية وفلكية موجّهة للعامّة وهي غير ملزمة بطبيعة الحال. وتظلّ الحاجة ملحّة للتعامل مع مثل هذه المبادرات بما يذكّرنا بأننا نعيش على سطح كوكب واحد وأن الطبيعة هي أمّنا الأولى التي لابد من الحفاظ عليها من أي خلل ستمتدّ آثاره لامحالة لحياتنا نحن بني البشر.
مارس
27
حقيقة الإنفجارات الشمسية
كثر الحديث مؤخرا في مختلف وسائل الإعلام عن الانفجارات الشمسية الحاصلة حاليا ومدى تأثر الأرض بها، فما حقيقة هذه الانفجارات وما مدى تأثرنا بها على الأرض، وأيضا أين الحقيقة من المبالغة في هذا الموضوع؟
إن لنشاط الشمس دورة شبه منتظمة تبلغ فيها الشمس ذروتها كل 11 سنة، وذروة الدورة الحالية متوقعة أن تكون عام 2013، وحيث أننا نقترب الآن من الذروة فمن الطبيعي أن نشهد ازدياد في نشاط الشمس، وهذا شيء طبيعي يحدث للشمس منذ أن خلقها الله، إلا أن اعتمادنا المتزايد على التكنولوجيا مؤخرا جعل من هذا الأمر الطبيعي المتكرر أمرا أكثر حساسية وأهمية. فما حدث في الأيام الماضية لم يكن انفجارا واحدا، بل حدث خلال الأسبوع الماضي تقريبا حوالي أربعة انفجارات كبيرة على الشمس، والذي يجعل الموضوع غير واضح أن الانفجار الواحد ينتج في الغالب ثلاثة أشياء أو نواتج، وكل واحد يصل إلى الأرض في وقت مختلف وله تأثير مختلف عن الآخر.
فعندما يحدث انفجار على الشمس، فإن أول ما يصل إلى الأرض هو ازدياد في الطيف الكهرومغناطيسي للشمس، والطيف الكهرومغناطيسي يشمل الأشعة الراديوية وتحت الحمراء و المرئية وفوق البنفسجية وأشعة إكس وأشعة جاما. والأخطر منها هي أشعة إكس وهي تلك المستعملة في المستشفيات للحصول على صور الأشعة. وكما ذكرنا فإن هذه الأشعة تصل إلى الأرض فور علمنا بحدوث انفجار، وينحصر تأثير هذه الأشعة الزائدة بحدوت تشويش على الاتصالات الراديوية في بعض النطاقات المستخدمة في الملاحة، فعندها إن كانت العاصفة شديدة قد تفقد الطائرات والبواخر التي تستخدم هذه الأمواج (وهي قليلة) الاتصال لمدة قد تصل إلى بعض الساعات.
وهذا الانفجار الحاصل على الشمس، يؤدي إلى تسريع جسيمات (برتونات وإلكترونات) بحيث تصبح ذات طاقة عالية جدا، وهي تصل إلى الأرض بعد حوالي ساعة إلى ساعتين من الانفجار، وهذا هو الناتج الثاني من الانفجار، ويتلخص خطرها بشكل رئيس على الأقمار الصناعية، فاصطدام هذه الجسيمات بالأقمار الصناعية قد يعطلها مؤقتا أو بشكل دائم، ويستمر هذا التدفق من الجسيمات المشحونة ذات الطاقة العالية لعدة ساعات. كما أن هذه الجسيمات تشكل خطرا صحيا على رواد الفضاء والمسافرين في الطائرات في المناطق الشمالية القريبة من القطب، إلا أن شركات الطيران تراقب ذلك، وتبعد طائراتها عن تلك المنطقة أثناء هذه العاصفة.
أما بعد حوالي يوم أو يومين من الانفجار يصلنا الناتج الثالث من الانفجار، وهو عبارة عن مادة الشمس نفسها، بحيث تقذف الشمس كمية هائلة من مادتها وهي عبارة عن غاز مؤين ويحتوي على مجالات مغناطيسية، وعندما تصطدم هذه الكتلة بالأرض فإنها تسبب اضطرابا في المجال المغناطيسي الأرضي، وبالتالي تتأثر البوصلة بذلك، وتتسبب بتكون تيارات كهربائية في خطوط الضغط العالي لشبكات الكهرباء، مما قد يزيد الحمل الكهربائي على الشبكة وتؤدي إلى انقطاع التيار بل وحتى قد يحترق المحول الرئيس للشبكة، ويظهر وقتئذ الشفق القطبي. إلا أن هذه المخاطر الرئيسة محصورة في المناطق القريبة من الأقطاب، مثل شمال أوروبا وشمال آسيا وشمال أمريكا، أما نحن في المنطقة العربية فإننا في مأمن من هذه التأثيرات بسبب الغلاف المغناطيسي الأرضي.
فالغلاف الجوي الأرضي يحمينا من الناتج الأول والغلاف المغناطيسي يحمينا من الناتج الثالث، والغلافين الجوي والمغناطيسي يشتركان في حمايتنا من الناتج الثاني. وتنحصر المناطق المتأثرة في المناطق الواقعة بالقرب من الأقطاب، وتقترب منا كلما كان الانفجار أكبر، إلا أنها تبقى بعيدا عن المنطقة العربية. ويبقى الاحتمال الوحيد لتأثرنا في المنطقة العربية هو أن تتسبب العاصفة بتلف إحدى الأقمار الصناعية الهامة، إضافة إلى تشويشها على أقمار الملاحة الـ GPS. كذلك فإنه لا علاقة بين هذه الانفجارات ودرجة الحرارة على سطح الأرض، فهذه الانفجارات لا تؤدي إلى ازدياد في درجة الحرارة على سطح الأرض.
مارس
27
مكانة إثبات الشهور القمرية من الأدلة الشرعية
عند البحث في الأدلة الشرعية التي تتعلق بموضوعات (الأهلَّة والتقويم) لاستخلاص الأحكام الشرعية منها لا بد من التنبه إلى أنَّ هذه الأدلة يمكن تصنيفها إلى ثلاثة مستويات:
المستوى الأول: إثبات دخول الشهور القمرية:
وقد ورد في هذا المستوى عدة نصوص:
1_ عن أَبَي هُرَيْرَةَ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ_ قال: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ: فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ)متفق عليه.
وفي رواية أخرى لمسلم: (صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعَدَدَ).
وفي روايةٍ أخرى: (فَإِنْ غُمِّيَ عَلَيْكُمْ الشَّهْرُ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ).
وعَنْ ابْنِ عُمَرَ _رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا_ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (ذَكَرَ رَمَضَانَ فَضَرَبَ بِيَدَيْهِ فَقَالَ: الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ثُمَّ عَقَدَ إِبْهَامَهُ فِي الثَّالِثَة،ِ فَصُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِه،ِ فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ)رواه مسلم.
ويدخل في ذلك الأدلة التي اعتنت بضبط بداية الشهر والنهي عن صيام يوم الشك للاحتياط، فعَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ: لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ) متفق عليه.
وعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (لاَ تُقَدِّمُوا الشَّهْرَ حَتَّى تَرَوُا الْهِلاَلَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلاَلَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ) رواه أبو داود والترمذي وغيرهما.
ومن المسائل التي بناها أهل العلم على النصوص السابقة:
1_ هل رؤية هلال الشهر القمري من باب الشهادة أم الإخبار؟
2_ عدد الشهود الذين يثبت بهم دخول الشهر القمري.
3_ حكم قبول شهادة النساء في إثبات الأشهر القمرية.
4_ حكم ترائي الهلال.
5_ حكم استعمال الأدوات الحديثة في رؤية الهلال.
6_ شروط ترائي الهلال.
وإثبات الشهور القمرية بهذه الطريقة واضح ومتيسر؛ إذ لا يحتاج لأكثر من النظر للسماء لرؤية الهلال أو عدم رؤيته.
المستوى الثاني: ما يجب أن تصل إليه الأمة الإسلامية في مجال إثبات الشهور القمرية والتقويم:
وهو الغاية من (علم الأهلة)، وقد سبق بيانه في مقال مستقل باسم (الغاية من علم الأهلة).
فالغاية من النصوص الشرعية في هذا الموضوع: ضبط مواقيت السنوات وعددها، ولا يكون ذلك إلا بإعدادِ تقويمٍ خاصٍ بالمسلمين، ينطلق من الضوابط الشرعية العديدة التي ورد ذكرها في نصوص القرآن والسنة، سواء كانت ضوابط بداية الشهر، أو اليوم، وغير ذلك.
ويدل على هذه الغاية:
1_ في بيان عدد شهور السنة:
قوله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) [التوبة: 36].
وقوله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ) متفق عليه.
2_ وفي بيان عدد أيام الشهر القمري وأنها تدور ما بين (29) أو (30) يومًا، عن ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ (إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَعَقَدَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ، وَالشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا يَعْنِي تَمَامَ ثَلَاثِينَ)، وفي رواية: (يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ) متفق عليه.
3_ وفي بيان تحريم العبث بالشهور القمرية بالزيادة أو النقص، أو التقديم أو التأخير قول الله تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين) [التوبة: 37].
4_ وفي الغاية الأسمى التي ينبغي على المسلمين السعي إليها، والعمل على ضبطها وإتقانها قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) [يونس: 5].
وقوله: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) [الإسراء: 12].
وقوله: (فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) [الأنعام: 96].
وقوله: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [يس: 38_ 40]،
4_ وفي ضبط حساب الفرق بين السنوات القمرية والشمسية قوله تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) [الكهف:25]، ففي الآية بيان أنَّ مجموع مكثهم في الكهف ثلاث مئة سنة بحساب السنوات الشمسية، والتسع للفرق ما بين الحسابين، فيكون المجموع ثلاث مئة وتسع سنوات بحساب السنوات القمرية، وهذا يدل على قمة الدقة في حساب السنوات القمرية والشمسية والفرق بينهما.
ومن المسائل التي يمكن تناولها تحت هذا المستوى:
1_ ما المقصود بالحساب الفلكي؟
2_ ما أنواع الحساب الفلكي؟ واستخدام كل نوع؟
3_ حكم الاعتماد على الحساب الفلكي في إثبات الشهور القمرية.
المستوى الثالث: رفع الحرج والإثم في حال الاجتهاد والخطأ:
وسواء كان ذلك الخطأ بسبب الاجتهاد في إثبات دخول الشهر، أم في صنع تقويم للأمة الإسلامية:
فعن أبي هُريرةَ _رضي الله عنه_ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَالْأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه.
وعنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (صَوْمُكُمْ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ) رواه البيهقي والدار قطني.
وعَنْ عَائِشَةَ _رضي الله عنها_ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ، وَالْأَضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ) رواه الترمذي.
وعنها أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عَرَفَةُ يَومَ يُعَرِّفُ الإِمامُ، وَالأضحى يَومَ يُضَحِّي الإِمامُ، وَالفِطْرُ يَومَ يُفْطِرُ الإِمَامُ) رواه البيهقي.
ورفع الحرج هنا يدخل في عموم الأدلة الشرعية في رفع الحرج والإثم عمن اجتهد في مسألةٍ ما فأخطأ.
الخلط بين هذه المستويات أساس الخطأ في موضوعات الأهلة:
يلحظ أنَّ لكل مستوى من هذه المستويات أدلة ينبغي إعمالها والتزامها دون الإخلال بالأدلة من المستويات الأخرى، أو الأدلة الأخرى في غير هذه الموضوعات والمقاصد العامة للشريعة، ومعظم الخطأ الذي يدخل في تناول موضوعات (الأهلة) عند من يتناولها من ناحية شرعية إنما يكون في عدم التفريق بين هذه المستويات ومعرفة المقصود بكل دليل، أو في الاكتفاء بأحدها وتضخيمه على حساب المستويات الأخرى.
وقد بيَّن أهل العلم أنَّ من أهم أسباب الضلال والبعد عن الحق: الأخذ بجزء من الأدلة الشرعية وترك البعض الآخر؛ فقد قال تعالى: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) [البقرة: 85].
فعند تضخيم المستوى الأول على حساب بقية الأدلة في الموضوع:
يكون إثبات الشهور القمرية في كل بلد على حدة، وبطريقة لا تراعي المقاصد الشرعية والغايات الكبرى في موضوعات الأهلة.
وعند الاهتمام بالمستوى الثاني دون النظر لبقية الضوابط الشرعية للتقويم:
يكون وضع تقاويم هجرية قمرية مخالفة للضوابط الشرعية سواء في ضوابط اليوم الشرعي، أم عدم وفائه بمتطلبات القويم العالمي الموحد، وغير ذلك.
وعند تضخيم المستوى الثالث وعدم فهم أدلته:
يكون تحميل الأدلة فوق ما تحتمل، كالزعم أن إثبات الشهور القمرية تابع لثبوتها في مكة، وما يتبعه من اتخاذ مكة مكانًا لإثبات الشهور القمرية.
فالواجب:
معرفة المقصود بكل دليل من الأدلة الشرعية من المستويات السابقة، ومكانته وصلته ببقية الأدلة الواردة في موضوعات الأهلة، وببقية الأدلة والمقاصد في عموم الشريعة الإسلامية، مما يضمن الفهم الصحيح لها، ومن ثم التطبيق السليم.
وقد سبق بيان بعض الأخطاء في فهم عدد من النصوص الشرعية، وسيأتي مزيد من الوقفات مع بقية النصوص في مقالات قادمة بإذن الله تعالى.


